الاحتراق الوظيفي

الاحتراق الوظيفي

يُعد الاحتراق الوظيفي تحديًا كبيرًا يواجهه العديد من الموظفين اليوم، حيث يتعرضون للإرهاق الجسدي والعقلي نتيجة للضغوط المتواصلة في العمل، يؤدي هذا إلى تدني الإنتاجية وتراجع مستوى الأداء، ما يساهم في ارتفاع معدلات الاستقالة وتغيير الموظفين، وهذا بدوره يؤثر على استقرار الشركات.

أشارت الدراسات إلى أن معدلات الاحتراق الوظيفي في جميع أنحاء العالم قد وصلت إلى مستويات مقلقة في السنوات الأخيرة، وفقًا لاستطلاع أُجرِي في عام 2021 من قبل موقع Indeed، أفاد 52% من العمال أنهم يشعرون بالإرهاق الوظيفي.. في هذا المقال سنتناول ماهية الاحتراق الوظيفي وبعض الطرق الفعّالة للتغلب عليه.

 

الاحتراق الوظيفي

ما هو الاحتراق الوظيفي؟

الاحتراق الوظيفي هو حالة من الإرهاق الجسدي والعقلي الناتج عن التعرض المستمر للضغوط في بيئة العمل، يتسبب هذا الشعور في فقدان الطاقة، انخفاض الحافز، وزيادة الشعور بالإحباط، مما يؤثر سلبًا على الأداء الشخصي ويقلل من الإنتاجية.

على الرغم من أنه قد يبدو كتجربة مرتبطة بالعمل فقط، إلا أن الإرهاق الوظيفي يمكن أن يتسلل إلى بقية جوانب الحياة أيضًا، حيث صنفته منظمة الصحة العالمية (WHO) على أنه مرض، وذلك لأنه يؤدي للكثير من المشاكل الصحية والنفسية.

أعراض الاحتراق الوظيفي:

يعاني الكثير من الموظفين من التوتر في بيئة العمل نتيجة الضغوطات، ولكن الاحتراق الوظيفي هو شعور أقوى من الإحباط الناتج عن تراكم هذه الضغوط دون التعامل معها، تتعدد أعراض الاحتراق الوظيفي وقد تظهر بشكل تدريجي، مما يجعل من الصعب التعرف عليها في البداية.

إليك بعض العلامات التي قد تشير إلى أنك قد تكون مصابًا بالاحتراق الوظيفي:

  • الإرهاق الجسدي:

يعد من أولى العلامات التي تدل على الاحتراق الوظيفي، الإرهاق الجسدي لا يقتصر على مجرد الشعور بالتعب، بل يمكن أن يتسبب أيضًا في صداع مستمر، شد عضلي، ومشاكل بدنية متكررة، حتى بعد الحصول على نوم جيد وكافٍ. الجسد في هذه الحالة يبدأ في إرسال إشارات بضرورة التوقف عن التفكير والراحة التامة، لكننا نغض الطرف عنها في كثير من الأحيان.       

  •  الإرهاق العاطفي:

أحد أعمق الآثار السلبية الناتجة عن الاحتراق الوظيفي، حيث يشعر الشخص بالاستنزاف العاطفي، وعدم القدرة على التفاعل مع الزملاء أو التواصل معهم بشكل فعّال، قد يرافقه  تدفق مشاعر السخرية، السلبية، وسرعة الانفعال، كما يشعر الشخص بالعجز عن أداء المهام، مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، وزيادة الصراعات داخل بيئة العمل.

  • انخفاض الرضا الوظيفي:

عندما يتعرض الفرد للاحتراق الوظيفي، قد يعاني من تدني شديد في مستوى الرضا الوظيفي، ما كان يبدو في البداية ممتعًا أو مجزيًا قد يصبح الآن مملًا أو بلا معنى، كما تبدو كل الأنشطة له متشابهة ورتيبة ومملة، وذلك يعني أنه قد وصل إلى نقطة الإرهاق الذهني والعاطفي.

  • انخفاض الأداء والإنتاجية:

من أكثر العلامات التي تشير إلى الاحتراق الوظيفي هو انخفاض الأداء والإنتاجية، قد يواجه الفرد صعوبة في الوفاء بالمواعيد النهائية، ويعاني من انخفاض ناتج العمل، أو يرتكب أخطاء متكررة، ويؤدي ذلك إلى شعور بالإحباط من أدائه الشخصي، تدل هذه الإشارات أن الموظف بحاجة إلى التوقف وتقييم وضعه المهني والنفسي.

  • الصعوبات المعرفية:

الاحتراق الوظيفي يؤثر بشكل كبير على القدرات الإدراكية، حيث يعاني الأفراد المصابون به من صعوبة في التركيز واتخاذ القرارات، وقد يواجهون تحديات في إتمام المهام بكفاءة، كما قد يشهدون انخفاضًا في مستوى الإبداع وقدرتهم على حل المشكلات بطرق مبتكرة.

  • التجرد الاجتماعي والانعزال:

يشعر الشخص الذي يعاني من الاحتراق الوظيفي بالانفصال عن العمل والزملاء، ويبدأ في الانسحاب الاجتماعي، قد يقلل من مشاركته في الأنشطة الجماعية أو المناسبات الخاصة بالعمل، هذا قد يؤدي إلى شعوره بالعزلة ويؤثر سلبًا على الروابط المهنية والشخصية.

  • سلوكيات الهروب:

في محاولة للتخفيف من الضغوط، قد يلجأ البعض إلى سلوكيات هروب مثل الإفراط في تناول الطعام، شرب الكحول. هذه السلوكيات قد تكون آلية دفاعية مؤقتة ضد الاحتراق الوظيفي، لكنها في النهاية تزيد من تفاقم المشكلة وتضر بالصحة البدنية والنفسية.

 

الاحتراق الوظيفي

أسباب الاحتراق الوظيفي:

يمكن أن يحدث الاحتراق الوظيفي بسبب مجموعة من العوامل، فيما يلي بعض الأسباب الشائعة التي تؤدي إليه:

  • عبء العمل الثقيل:

عندما يكون عبء العمل ثقيلًا ومتزايدًا دون وجود الوقت الكافي لإتمام المهام المطلوبة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى الإرهاق الوظيفي، ففي بيئات العمل المتسارعة، قد يتراكم العمل بشكل غير متوقع، سواء بسبب زيادة عدد المشاريع أو بسبب التوسع في حجم الشركة، مما يواجه الأفراد عبء عمل إضافي، وفي بعض الأحيان يكون هذا العبء مستمرًا، مما يجعل الموظف يشعر بالعجز عن تلبية التوقعات والمواعيد النهائية، وفي النهاية يؤدي هذا إلى حالة من الإجهاد المستمر، وقد يتحول هذا الإرهاق إلى احتراق وظيفي إذا استمر لفترة طويلة دون حل

  • التوقعات غير الواضحة أو غير الواقعية:

في بيئات العمل التي تفتقر إلى وضوح الأهداف أو الأدوار الوظيفية المحددة، قد يشعر الموظف بالارتباك والضياع في تحديد ما هو متوقع منه، وعندما تكون الأدوار الوظيفية غير محددة أو تتداخل التوقعات من مختلف الأطراف، يعاني الموظف من التوتر الناتج عن محاولته تلبية احتياجات غير واضحة أو متناقضة، هذا الوضع يمكن أن يؤدي إلى شعور بالإحباط وزيادة الضغط النفسي عليه.

  • نظام دعم غير كافٍ:

غياب الدعم الاجتماعي في بيئة العمل من الأسباب الرئيسة للاحتراق الوظيفي، إذا كان الموظف يعمل في بيئة لا يوجد فيها دعم وتشجيع من زملائه أو من مديريه المباشرين، أو يواجه صعوبة في التواصل مع فريقه أو يعاني من عزلة في مكان العمل، فإن ذلك يعزز من شعوره بالتوتر والإجهاد والشعور بعدم التقدير، مما يزيد من استنزاف طاقته النفسية ويمكن أن يؤدي إلى تفاقم مشاعره السلبية ويزيد من حدة الاحتراق الوظيفي.

عندما يسيطر العمل على حياة الفرد ويأخذ الأولوية عن  جوانب حياته الأخرى، مثل العائلة والأصدقاء والأنشطة الشخصية، فإن ذلك يؤدي إلى شعور بالإرهاق الشديد. يمكن أن يؤدي العمل لساعات طويلة دون فترات راحة كافية إلى شعور الفرد بالتعب المستمر وفقدان الاهتمام بالأشياء التي كانت تمنحه الراحة النفسية، وهذا يجعل من الصعب على الأفراد العودة إلى العمل بنشاط وحيوية، وبالتالي زيادة احتمالية حدوث الاحتراق الوظيفي.أثبتت الدراسات أن 83% من المحترفين في العمل يؤكدون أن الإرهاق الناتج عن عملهم يمكن أن يؤثر سلبًا على علاقاتهم الشخصية. 

  • عدم الاعتراف بالجهود:

يشعر الموظف الذي لا يحصل على تقدير لجهوده المهنية بأنه غير مرئي أو غير مهم في بيئة العمل، وهذا يزيد من شعوره بالإحباط وفقدان الحافز، مما ينعكس سلبًا على أدائه في العمل.

 إن غياب التقدير المادي والمعنوي، مثل المكافآت أو الفرص المهنية  يعزز من مشاعر الإحباط والجمود لدى الموظف، بالإضافة إلى ذلك، عدم وجود مسار واضح للترقية أو التقدم المهني يمكن أن يؤدي إلى شعور الموظف بعدم جدوى جهوده، مما يعزز من احتمالية تعرضه للاحتراق الوظيفي.

دور الشركات في مكافحة الاحتراق الوظيفي:

وفقًا لدراسة حديثة أجرتها الجمعية الأمريكية لعلم النفس على 1,501 عاملًا، أظهر 79% منهم أنهم يعانون من الإرهاق الوظيفي في الوقت الحالي، وهذا يستوجب من الشركات التركيز على تحسين رفاهية الموظفين، واتخاذ خطوات استراتيجية لتعزيز صحتهم والحد من أعراض الإرهاق، وذلك عن طريق:

  • توفير بيئة عمل صحية:

يجب على الشركات إنشاء بيئة عمل تدعم التوازن بين الحياة الشخصية والمهنية، من خلال تقليل الضغوط غير الضرورية وتوفير خيارات العمل المرن والعمل عن بُعد، كما أن بيئة العمل التي تشجع على التعاون والاحترام تساعد في تقليل الإرهاق الناتج عن التوتر.

  • التدريب والتطوير المهني:

الشركات التي تقدم فرصًا مستمرة للتدريب والتطوير تساعد موظفيها على تطوير مهاراتهم، مما يزيد من ثقتهم في أنفسهم ويقلل من الشعور بالاحباط والاحتراق.

  • الاعتراف بالإنجازات والتحفيز:

يجب على الشركات تقدير جهود الموظفين من خلال آليات مكافأة، سواء كانت مالية أو معنوية، حيث أن الاعتراف بمساهمات الموظفين وتقديرها يعزز الروح المعنوية ويقلل من الشعور بالإحباط. 

  • التوجه إلى الابتكار في طرق العمل:

تشجيع الموظفين على الابتكار والتغيير يمكن أن يقلل من الشعور بالملل والإرهاق، مما يقلل من فرص الإصابة بالإرهاق الوظيفي.

  • ثقافة الراحة والاستراحة:

من خلال توفير فترات راحة منتظمة خلال يوم العمل، هذا يساعد الموظفين على الحفاظ على نشاطهم البدني والعقلي، مما يساهم في زيادة الإنتاجية والرفاهية.

  • الدعم النفسي والصحة النفسية:

من خلال تقديم خدمات استشارية ومساعدات نفسية للموظفين، يمكن للشركات أن تساعد موظفيها على التعامل مع التحديات النفسية، يشمل ذلك تنظيم ورش عمل حول الصحة النفسية وإدارة ضغوط العمل.

 

 الاحتراق الوظيفي ليس مجرد شعور بالتعب أو الضغط النفسي، بل هو حالة من الاستنزاف النفسي والجسدي التي يمكن أن تؤثر على جميع جوانب حياة الشخص، التعرف المبكر على أعراضه أمر بالغ الأهمية لأنه يمكّن الشخص من اتخاذ خطوات فعّالة للتعامل معه قبل أن يؤدي إلى تدهور أكبر، من خلال الاعتناء بالصحة النفسية والجسدية، يمكن للفرد استعادة نشاطه وتحقيق الأداء الأمثل في حياته المهنية والشخصية.